المحقق البحراني

106

الكشكول

أهل الكتاب لا معارضة لكم فيما معكم حيث أخذت الجزية منكم . فلما عرف أولئك أن أموالهم معرضة للنهب سألوه أن يحملهم إلى سلطانه ، فأجاب سؤالهم وتلا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وقلنا للربان : هؤلاء قوم قد عاشرناهم وصاروا رفقة وما نحب أن نتخلف عنهم أينما يكونون نكون معهم حتى نعلم ما يسفر حالهم عنه ، فقال الربان : واللّه ما أعلم هذا البحر اين المسير فيه فاستاحرنا ربانا ورجالا وقلعنا القلع وسرنا ثلاثة عشر يوما بلياليها حتى كان قبل طلوع الشمس أو الفجر كبر الربان فقال : هذه واللّه أعلام الزاهرة ومنابرها وجدرانها قد بانت ، فسرنا حتى تضاحى النهار فقدمنا إلى مدينة لم تر العيون مثلها ولا أحسن منها ولا أخف على القلوب ولا أرق من نسيمها ولا أطيب من هواها ولا أعذب من مائها ، وهي راكبة البحر على جبل من صخر أبيض كأنه لون الفضة وعليها سور إلى ما يلي البر والبحر ، والأنهار منحرفة في وسطها يشرب منه أهل الدور والأسواق وتأخذ منها الحمامات وفواضل الأنهار ترمي على البحر ، ومدى الأنهار فرسخ ونصف أو دونه وفي تحت ذلك الجبل بساتين المدينة وأشجارها ومزارعها عند العيون ، وثمار تلك الأشجار لا يرى أطيب منها ولا أعذب ، ويرعى الذئب والنعجة عيانا ، ولو قصد قاصد تخلية دابته في زرع غيره لما رعته ولا قطعت منه قطعة ، ولقد شاهدت السباع والهوام رابضة في غيص في جنب تلك المدينة وبنو آدم يمرون عليها فلا تؤذيهم . فلما قدمنا المدينة وأرسى المركب فيها وما صحبنا من الشوالي والذبائح من المباركة بشريعة الزاهرة صعدنا فرأينا مدينة عظيمة كثيرة الخلق وسيعة الربقة فيها الأسواق الكثيرة والمعاش العظيم ويرد إليها الخلق من البر والبحر ، وأهلها على الحسن قاعدة لم يكن على وجه الأرض من الملل والأديان مثلهم وأمانتهم ، حتى إن المتعيش بسوق المدينة يرد إليه من يبتاع منه حاجة إما بالوزن أو بالذراع فيبيعه عليها ثم يقول : يا هذا زن لنفسك واتزن لنفسك وهذه صورة مبايعتهم لا يسمع منهم لغو المقال ولا النميمة ولا يسب بعضهم بعضا وإذا نادى المؤذن للأذان لا يتخلف منهم متخلف ذكرا كان أو أنثى إلا سعى إلى الصلاة حتى إذا قضيت الصلاة للوقت المفروض رجع كل منهم إلى بيته حتى يكون وقت صلاة أخرى فيكون الحال كما كانت . فلما دخلنا المدينة وأرسينا بمشرعتها أمر بحضورنا عند السلطان فحضرنا داره ودخلنا إلى بستان صور في وسطه قبة من فضة ، والسلطان في تلك القبة وعنده